المقريزي
63
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
المفتين والفتوى من الوجود . فتلكأ وحار وقال : كيف أعمل في هذا ؟ فتبين لبعض الحاضرين أنه استشكل المسألة ، ولم يتبين له وجهها . فقال : لا شك أنّ مولانا السلطان لم ينكر صدور الوقف ، وإنما أنكر المصارف ، وأن تكون الجهة التي عينها هي هرماس وشهوده وقضاته ، وللسلطان أن يحكم فيها بعلمه ، ويبطل ما قرّروه من عند أنفسهم . قال : كيف يحكم لنفسه ؟ قيل له : ليس هذا حكما لنفسه ، لأنه مقرّ بأصل الوقف ، وهو للمستحقين ليس له فيه شيء ، وإنما بطل وصف الوقف ، وهو المصرف الذي قرّر على غير جهة الوقف ، وله أن يوقع الشهادة على نفسه بحكم أن مصرّف هذا الوقف الجهة الفلانية دون الفلانية . ولم يزالوا يذكرون له أوجها تبين بطلان الوقف إمّا بأصله أو بوصفه إلى أن قال : يبطل بوصفه دون أصله ، وأذعن لذلك بعد إتعاب من العلماء . وإزعاج شديد من السلطان في بيان وجوه ذكروها تبين وجه الحق ، وأنه إنما وقفه على مصالح الجامع المذكور . وهذا مما لا يشك فيه عاقل ولا يرتاب . فالتفت بعد ذلك وقال للحاضرين : كيف نعمل في إبطاله ؟ فقالوا : بما قرّرناه من إشهاد السلطان على نفسه بتفصيل صحيح ، وأنه لم يزل كذلك منذ صدر منه الوقف إلى هذا الحدّ ، وغير ذلك من الوجوه . فجعل يوهم السلطان أن الشهود الذين شهدوا في هذا الوقف متى بطل هذا الوقف ثبت عليهم التساهل وجرحوا بذلك ، وقدح ذلك في عدالتهم ، ومتى جرحوا الآن لزم بطلان شهادتهم في الأوقاف المتقدّمة على هذا التاريخ ، وخيل بذلك للسلطان حتى ذكر له إجماع المسلمين على أن جرح الشاهد لا ينعطف على ما مضى من شهاداته السالفة ولو كفر ، والعياذ بالله ، وهذا مما لا خلاف فيه . ثم استقرّ رأيه على أن يبطله بشاهدين يشهدان أن السلطان لمّا صدر منه هذا الوقف كان قد اشترط لنفسه التغيير والتبديل والزيادة والنقص وقام على ذلك . قال مؤلفه رحمه اللّه : انظر تثبت القضاة ، وقايس بين هذه الواقعة وما كان من تثبت القاضي تاج الدين المناوي ، وهو يومئذ خليفة الحكم ومصادمته الجبال ، وبين ما ستقف عليه من التساهل والتناقض في خبر أوقاف مدرسة جمال الدين يوسف الأستادار ، وميّز بعقلك فرق ما بين القضيتين . وهذه الأرض التي ذكرت هي الآن بيد أولاد الهرماس بحكم الكتاب الذي حاول السلطان نقضه ، فلم يوافق المناويّ . والجامع الآن متهدّم وسقوفه كلها ما من زمن إلّا ويسقط منها الشيء بعد الشيء فلا يعاد ، وكانت ميضأة هذا الجامع صغيرة بجوار ميضأته الآن ، فيما بينها وبين باب الجامع ، وموضعها الآن مخزن تعلوه طبقة عمرها شخص من الباعة يعرف بابن كرسون المراحليّ ، وهذه الميضأة الموجودة الآن أحدثت وأنشأ الفسقية التي فيها ابن كرسون في أعوام بضع وثمانين وسبعمائة ، وبيّض مئذنتي الجامع ، واستجدّ المئذنة التي بأعلى الباب المجاور للمنبر رجل من الباعة ، وكملت في جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين وثمانمائة ، وخرق سقف الجامع حتى صار المؤذنون ينزلون من السطح إلى الدكة التي يكبرون فوقها وراء الإمام .